أبي منصور الماتريدي
576
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لذلك يبقى على الإيمان على ما كان ؛ لما لم يوجد منه اختيار الكفر . فإن قيل : أليس أمرنا أن نقاتل أهل الكفر ؛ ليسلموا ، وذلك إسلام بإكراه ؟ ! وعلى ذلك نطق الكتاب ، وهو قوله : تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [ الفتح : 16 ] ، وقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا : لا إله إلا الله » « 1 » ، ثم إذا أسلم لخوف السيف - كان إسلامه إسلاما في الظاهر ما يمنع كذلك أنه إذا أكره على الكفر ، فأجرى كلمة الكفر على لسانه - كان كفره كفرا في الظاهر ؛ فيحكم بكفره كما حكم في الإسلام على الإكراه ؛ فما الفرق فيه ؟ ! قيل : إن ذلك كان يجيء إلا أن الله - تعالى - أعفى عباده عن ذلك ؛ فأبقاهم على الإيمان وحكمه ، وإن أظهروا بلسانهم كلام الكفر بعد أن تكون قلوبهم مطمئنة بذلك ؛ فضلا منه ونعمة ، وإلا : القياس أن يحكم بحكم الكفر إذا تكلم بكلام الكفر ، وأمّا الطلاق والعتاق والنكاح ونحوه ، وهو ظاهر على ما تكلم به ، عامل واقع ؛ لأن الطلاق والعتاق ونحوهما ممّا يتعلق بالكلام نفسه لا بغيره ، فهو - وإن أكره على ذلك - فهو مختار للتكلم به ، قاصد له ؛ لأن المكره لو أحب أن يستعمل لسانه بالتكلم بما ذكر ما قدر عليه ؛ دل أنه على الاختيار يتكلم ، وأما البيع والشراء ونحوه لم يتعلق بالكلام نفسه ؛ إذ قد يكون
--> ( 1 ) حديث أبي هريرة : أخرجه البخاري ( 3 / 262 ) كتاب : الزكاة ، باب : وجوب الزكاة ، حديث ( 1399 ) ، ومسلم ( 1 / 180 ) [ أبي ] كتاب : الإيمان ، باب : الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، ( 34 / 20 ) ، وأبو داود ( 3 / 101 ) كتاب : الزكاة ، باب : على ما يقاتل المشركون ، حديث ( 2640 ) ، والترمذي ( 4 / 117 ) كتاب : الإيمان ، باب : ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، حديث ( 2733 ) ، والنسائي ( 5 / 14 ) كتاب : الزكاة ، باب : مانع الزكاة ، وابن ماجة ( 2 / 1295 ) كتاب : الفتن ، باب : الكف عمن قال لا إله إلا الله ، حديث ( 3927 ) ، والشافعي ( 1 / 13 ) باب الإيمان والإسلام ، عبد الرزاق ( 6 / 67 ) كتاب : أهل الكتاب ، باب : أقاتلهم حتى يقولوا : ( لا إله إلا الله ) ، حديث ( 10022 ) ، وأحمد ( 2 / 345 ) ، وابن الجارود ( ص - 343 ) ، باب : فيما أمر رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم بالدعاء إلى توحيد الله عزّ وجل والقتال عليها ، حديث ( 1032 ) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار ( 3 / 213 ) كتاب : السير ، باب : ما يكون الرجل به مسلما ، وابن سعد في الطبقات ، والدارقطني ( 1 / 231 ، 232 ) كتاب : الصلاة ، باب : تحريم دمائهم وأموالهم إذا تشهدوا بالشهادتين ، حديث ( 2 ) ، والحاكم ( 1 / 387 ) كتاب : الزكاة ، وأبو نعيم في الحلية ( 3 / 306 ) ، وابن حبان ( 174 ) ، من طريق عن أبي هريرة . أما حديث ابن عمر : أخرجه البخاري ( 1 / 22 ) كتاب : الإيمان ، باب : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم حديث ( 25 ) ، ومسلم ( 1 / 53 ) كتاب : الإيمان ، باب : الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله . . . ( 36 / 22 ) ، والدارقطني ( 1 / 232 ) ، والبيهقي ( 3 / 92 ) .